من يملك زمام مصر؟
>
>
>
|
الثلاثاء, 17-مايو-2011
|
|
( الوطن ) -
يطرح النفوذ القطري المتعاظم في العالم العربي نفسه داخل أروقة مراكز الأبحاث والدراسات الدولية مثيرا أسئلة حول وجود هذا النفوذ من عدمه، وإن وجد هذا النفوذ ما هي أسبابه وركائزه. وهل يحمل هذا النفوذ مخاطر ويجر على النظام القطري مشاكل متعددة ومختلفة المصادر. وهل قطر في معزل عن التغيرات والتحديات التي تلف العالم العربي من ثورات وتحركات لإزاحة أنظمة غير ديمقراطية. الباحث السعودي عبدالعزيز الخميس يجيب عن هذه الأسئلة. في وقت قراءتك لهذا المقال تقوم ست طائرات قطرية بضرب أهدافها في ليبيا ضمن تحالف دولي ضد العقيد القذافي وفي الوقت نفسه يرفرف علم قطر على أهم المواقع الإقتصادية في بريطانيا بينما تفرغ ناقلات الغاز حمولتها في منصات تفريغ قامت بإنشائها قطر على أراض أوروبية وأميركية، وفي الوقت نفسه يحتشد ملايين العرب أمام تلفزيوناتهم لمشاهدة ما تبثه الجزيرة عن بلادهم وزعمائهم وبالطبع قطر هي من يمول هذه القناة ويرعاها على أرضه. السؤال الذي يفرض نفسه ما الذي يجعل دولة يبلغ طولها 160 كيلومتراً وعرضها تسعين تملك كل هذا النفوذ وهل كل هذا جزء من نفوذ يتعاظم أم أن الأمر لا يعدو كونه فقاعة إذا أخذ في الإعتبار حجم قطر الجغرافي. البعض يرى أن قطر لاعب رئيس في المنطقة، والبعض الأخر لا يراها سوى أداة في يد الولايات المتحدة توجهها تبعا لمصالحها ويضرب بالوجود العسكري الاميركي دليلا على ذلك وبالتوجه القطري لمساندة حملة إسقاط القذافي في ظل حاجة القوى الغربية لداعم عربي في الحملة لتشريعها عربيا ودوليا وأصحاب هذا القول يتغافلون عن التقاطعات السياسية التي يمكن لها أن تمكن قطر من العمل دوليا ضمن جوقة متحالفة لأهداف معينة. الحديث عن النفوذ القطري يستدعي الموافقة على وجوده بينما إنكاره وإلحاقه بغيره ووصمه بالتبعية أمر غير واقعي او علمي، بل أننا وببساطة نرى أن النفوذ تطور من الوصف الذي يضعه عالم الإجتماع ماكس فيبر لمعنى النفوذ وعلى أنه نفوذ مخصص لتنفيذ رغبات شخصية والامر هنا يتعلق برغبة الامير القطري في ان تلعب بلاده دورا مهما وأن تنفذ مشاريعها الإستثمارية وان تقف بقوة مع القضايا التي يؤمن بها بصفته قوميا عربيا وهذا الأمر قد تحقق وأوجد الامير لبلاده نفوذا إقتصاديا في دول كثيرة ولا يمكن إغفال قطر كلاعب استثماري وأيضا قائد في مجال الطاقة لمخزونها الكبير من الغاز المهم للعالم الصناعي. بدأ في المرحلة الثانية من مسيرة النفوذ القطري ما وصفه الفيلسوف ميشيل فوكو بالنفوذ التمكيني والتحجيمي وهنا تلعب قناة الجزيرة دورا متميزا فهي تمكن قطر من التأثير على الأوضاع الداخلية بتصعيد حملتها على أنظمة معينة وأيضا بقوتها أيضا تحجم عن المساس بأنظمة اخرى. فنفوذ قطر عبر آلتها الاعلامية يصل إلى أن هذا النفوذ إن تكلم أثر وإن صمت أثر أيضا، وتلك هي أسمى درجات القوة والنفوذ حسب تعريفات مدارس عنيت بدراسة النفوذ وطرقه. وقد يكون للعالم انتوني غيدنز رؤيته التي تنطبق على قراءة مشهد النفوذ القطري حيث أن عملية النفوذ أصبحت معقدة لدى القطريين ففيها يمتزج المال والثروة بالقدرة على التنفيذ والتخطيط بالمساندة الإعلامية والاستعمال الذكي لها وبالعلاقات الدبلوماسية التي تحتاج إلى جيش من الدبلوماسيين لكن لمهارة القائمين عليها ولإستخدامهم لشبكات سياسية ذات طابع ديني او قومي تمكن القطريين من لعب أدوارهم ونشر نفوذهم بسرعة ويمكننا فهم ذلك عبر دراسة علاقتهم مع حركات الإخوان المسلمين وإستخدامهم لها وأيضا لضمهم شتات القوميين العرب إلى شبكتهم السياسية ومساندتهم لهم عبر مشاريع في لبنان او سوريا او حتى مصر. ركائز النفوذ المعادلة القطرية للحصول على نفوذ كبير تتضمن \”المال + الإعلام + المرونة السياسية\”. فبعيدا عن الذراع الإستثمارية القوية التي توفر لقطر قوة في الغرب والشرق هناك أذرع نفوذ قطرية أخرى تثير جدلا أهمها قناة الجزيرة التي قضت مضجع الأنظمة العربية فساعدت عبر التحشيد والعداء الواضح والإنحياز للشارع لا للقصور في إسقاط أنظمة عربية وفي الوقت التي تتفنن وتبدع فيه وسائل الاعلام القطرية في انتقاد زين العابدين بن علي الرئيس التونسي السابق على بقائه في الحكم اكثر من عشرين عاما يتمتع الأمير القطري بعدم تداول السلطة ويقترب رئيس وزرائه من عشرين عاما في الوزارة دون ان يتيح للشباب القطري المشاركة في الحكم. وفي الزمان الذي يرى فيه الإعلام القطري وخاصة الجزيرة أن الرئيس اليمني علي عبدالله صالح لا يرغب في الرحيل عن الحكم، لا يتمتع القطريون بحقهم في اختيار حاكمهم عبر صناديق الإقتراع حتى لو عشقوا أميرهم وهاموا حبا فيه بسبب خدماته لبلاده وانتشالها من حالة الجمود السياسي التي عاشته في زمان حكم الأب المغيب عن الإعلام حاليا. تقترب الحالة القطرية إلى ما يشبه البارانويا السياسية فلم تبق الجزيرة شعرة في رأس الرئيس المصري إلا ووضعتها تحت المجهر والسبب عمالته لأميركا ورعايته لمصالح اسرائيل وبيعه الغاز لها وإرتفاع العلم الاسرائيلي على نهر النيل بينما لا توجد في مصر قاعدة أميركية بحجم العيديد ولم تزد عن قطر في شيء خاصة بعد المعلومات الاسرائيلية المشاعة عن أنه قد تم الاتفاق في أحد الفنادق اللندنية بين قطر وإسرائيل على بيع الغاز القطري لإسرائيل باسعار أقل من أسعار الغاز المصري وحتى الآن لم يؤيد ذلك بتصريح رسمي. لكن ما يثير الاعجاب هو المرونة السياسية القطرية وتحركها الفعال ومبادراتها السريعة التي تحوز دائما على رضا قطاع كبير من الشارع العربي. ولعل هذه المرونة تتشكل في مواقف قطرية إنسانية أو سياسية في قضايا مثل حرب لبنان وغزو غزة والقضية الليبية، كانت هذه المرونة عاجلة ومتسقة مع العواطف العربية ترافقها زخم إعلامي عبر الجزيرة يمكن لقطر من امتلاك نفوذ داخل الشارع العربي. الاستقرار السياسي في حال غياب أمير قطر الحالي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (ولد عام 1952) عن سدة الحكم سيكون الموقف داخل عائلة آل ثاني صعبا جدا. فالقطريون يعتقدون أن من يرجع تطور قدراتهم ونفوذهم إلى المال والثروات التي يملكونها غير منصف أو دقيق، فالتصميم على التغيير وإنجازه من قبل الأمير الحالي وقدراته وتفكيره الثاقب وحكمته وسعة أفقه ونجاحه في اختيار فريق حكمه هي الأسباب الرئيسية لنجاح قطر. لكن القطريين يخشون من مقبل الأيام فقد كان تغيير الحاكم في زمن أجدادهم يستوجب إراقة الدماء، وكان الخليجيون يضعون أيديهم على قلوبهم حينما يسمعون عن تطور سياسي جديد في قطر، ويتوقعون أن يكون هناك قتل وعداوات داخل العائلة الحاكمة وحلفائها وهذا الذي جعل من ردة فعل بعضهم متشككة حال وقوع الإنقلاب القطري. منذ أن أسس الشيخ محمد آل ثاني قطر ككيان مستقل عن البحرين وشيوخها يفقدون مقاعدهم إما مقتولين غدرا أو مزاحين قسرا وذلك لخلافات عائلية. وعلى الرغم من أن بعض السياسيين والمؤرخين في الخليج ينتظرون استمرار هذا المصير في عائلة آل ثاني إلا أن القريبين من الوضع في الدوحة يرون غير ذلك. فالتأييد الشعبي للأمير قوي والعرفان له على ما قدمه لقطر واضح، لكن حجة المراهنين على أن التغيير الفجائي سمة لحكم آل ثاني تتركز في تساؤلهم إن كان أمر الخلافة مفروغاً منه. فلماذا غيّر الأمير ولاية العهد عدة مرات، وهل حقيقة كان الأمير يبحث عن ولي عهد قوي بين أبنائه حتى يقف أمام المنافس الحقيقي ورجل قطر القوي مهندس التغيير رئيس الوزراء ووزير الخارجية؟ تبدو الحجة قوية إلا أنها تفتقد لمحفزات الإيمان بها وأولها أن مصير الخلافة في قطر لا يقرره عدة أشخاص فقط بل يرتبط بعائلة آل ثاني بقضها وقضيضها والتي يبلغ عدد أفرادها أكثر من عشرين الف شخص. تولى ولاية العهد في بداية حكم الأمير ابنه جاسم بعد أن تم استبعاد الأخوين الأكبر منه في السن لكونهما من زوجة من بنات عمومة الأمير وجاسم. وهو ابن للسيدة موزة المسند ابنة المعارض القطري السابق (ولدت عام 1959). ويشيع مراقبون إن أبناء الأمير الكبار يبدون امتعاضهم من استبعادهم بل أن بعضهم وصل به الأمر إلى التدين والزهد في الحياة والملذات. قضى الشيخ جاسم وقتا لا بأس به في ولاية العهد لكنه تنازل عنها لأخيه بسبب مطالبته المتكررة بصلاحيات كان أبوه يمارسها أثناء ولايته العهد سابقا وليتولى الشيخ تميم ولاية العهد (ولد عام 1980) ويحاول بدوره انتزاع دور سياسي كبير ليزاحم أضلاعاً كبيرة في المؤسسة السياسية القطرية لعل أهمها الأمير ثم زوجته موزة وأخيرا الشيخ المهندس رئيس الوزراء. يعتقد مراقبون غربيون أن عائلة آل ثاني تقف صامتة وهي تتفرج على صراع الصلاحيات بين الإضلاع الكبيرة ويشيع بعضهم أن أقطاب كثيرة داخل عائلة آل ثاني تطالب بتوسيع عضوية مجلس الأسرة الحاكمة في مقاربة للتجربة السعودية في إنشاء هيئة البيعة لأسرة ال سعود وضم كافة أجنحة الحكم عبر ممثلين في الهيئة. هذا الامر يعد دمقرطة لأسرة آل ثاني وجعل أمر من يرأسها وبالتالي يحكم قطر يكون مختارا من قبل الأسرة الحاكمة كلها التي أصبحت قبيلة بحد ذاتها. يؤيد ذلك ان هناك أفرعاً داخل العائلة يجاهر بعض أفرادها بالتساؤل حول استئثار عائلة الامير بالثروات القطرية فأصوات داخل فروع الجبر والأحمد/العبدالرحمن والعيد يعتبرون أن أمر تضخم ثروة رئيس الوزراء يجب أن يطرح للنقاش داخل الأسرة. ويضم مجلس الأسرة الحاكمة حاليا ما بين خمسة وتسعة أعضاء منهم رئيس مجلس الوزراء ورئيس الديوان الاميري إضافة إلى الأمير وولي عهده. وتتكون أسرة آل ثاني من ستة فروع هم، آل جاسم، آل جبر، آل عيد، آل فهد، آل احمد/آل عبدالرحمن، آل ثامر. الاستقرار الاجتماعي لا يجد المراقب على الساحة الاجتماعية القطرية أية مخاطر تهدد استقرار البلاد. فالنمو المتوازن وقدرة القطريين على هضم التطورات التنموية متميزة، بل انها تفوق مثيلاتها في دول خليجية اخرى. فالمرأة القطرية للمثال لا تعاني من تمييز كبير وتستطيع العمل بحرية كما يمكنها القيام بأدوار كبرى. ويبدو أن لوجود الشيخة موزة المسند بقوتها الظاهرة ولعبها لدور كبير على الساحة السياسية والتنموية يمكن المرأة القطرية من التواجد في أي قرارات مهمة للمجتمع. لكن من المخاطر التي تعترض استقرار المجتمع القطري هو التركيبة السكانية أسوة بغيرها من دول الخليج إلا أن سياسة التجنيس المتسارعة من قبائل العراق وسوريا تساعد في تقليص الفجوة السكانية قليلا حيث أن الطموحات القطرية الرسمية في جعل قطر مركز مالي واقتصادي مهم في العالم سيجذب الكثير من الأجانب ويجعل من القطريين أقلية في بلادهم. وكغيرها من دول المنطقة يوجد في قطر أقلية شيعية إلا أن معظمهم من أصول فارسية وعلاقتها قوية جدا بالأمير ويمارس افرادها شعائرهم بحرية ولا يمكن أن يجد المراقب في تحركاتهم أي خطر على استقرار قطر بل ان بعضهم يتسنم مناصب كبيرة في الدولة وفي عالم المال والأعمال. المشكلة الكبيرة التي تواجه النظام القطري هي في حالة التوتر بين أسرة آل ثاني وقبيلة بني مرة التي تشكل مكوناً كبيراً في المجتمع القطري، ففي عام 2005 قامت الحكومة القطرية بإبعاد ما يصل إلى سبعة الاف منهم إلى السعودية بحكم أنهم مزدوجو الجنسية والقانون القطري يمنع ذلك، وكان التعامل مع هؤلاء قاسيا حيث تم قطع الكهرباء والماء عن منازلهم لطردهم منها وتم تجريدهم من أوراقهم الرسمية القطرية. ويرى بعض زعماء القبيلة ان السبب الحقيقي هو أن عدد سكان قطر من بني مرة يفوق أسرة آل ثاني مما يشكل خطرا استراتيجيا على عائلة آل ثاني في المستقبل لو سار الأمير في ما أعلن عنه من تغييرات ديموقراطية في النظام. لكن بعض المراقبين يرون أن السبب الحقيقي هو معاقبة القبيلة لاشتراك بعض أفراد عشيرة الغفران من قبيلة بني مرة في محاولة انقلابية ضد الأمير لم تنجح وقيل أن السعودية ومصر كانتا تدعمها. وبعد ان زالت حالة الجفاء بين قطر والسعودية بدأت العلاقات تتحسن بين بني مرة وآل ثاني وبدأ بعض المبعدين يعودون إلى ديارهم وقيل أن بعضهم استرد جنسيته القطرية بعد إعلانه الولاء للامير والخلاص من الشرك السعودي. ويلعب الحراك السياسي الداخلي دورا مهما في الحياة السياسية القطرية حتى وإن بدا أن الأمير مسيطر على الأوضاع. فمن يصدر بضاعة الحرية إلى أماكن كثيرة في العالم العربي ويطالب بحقوق الشعوب في ثرواتها لا بد وأن ينطبق عليه لاحقا ما يسمى بإنقلاب السحر على الساحر. فهناك نقاش قوي داخل المجتمع القطري عن الإنتخابات والصلاحيات وينتظر ان ترسم إنتخابات المجالس البلدية التي انتهت مؤخرا بصورة واضحة لموازين القوى القبلية داخل قطر. لكن التساؤل الذي يحير المراقبين هو أن قطر تتطلع إلى أن تحصل على نظام برلماني متكامل إلا أن قيادتها لم تتخذ قرار تنفيذيا بالبدء في إنتخابات مجلس الشورى حتى الان وأنها تقوم الان بتنظيم مجالس برلمانية في الجامعات والمدارس لتدريب الجيل القادم على العمل البرلماني مما يوحي ان تقدم العملية الديموقراطية من انتخابات بلدية الى مستويات أعلى ديموقراطيا لم يحن وقته إلى الان مثلها مثل شقيقتها السعودية. أحد العوامل التي تزيد الثقة في استقرار المجتمع القطري هو تحسن العلاقات بين السعودية وقطر. فالمجتمع القطري تربطه بالسعودية الكثير والعائلة الحاكمة تعود أصولها إلى نجد وبالذات إلى قبيلة تميم، وهذه القبيلة الكبيرة في نجد يعدها القطريون دعامة قوية لاستقرارهم ولطالما كانت الرافد الرئيس لهم في محنهم. ويعتبر التميميون في نجد أن النظام القطري جزء منهم ويفتخرون بإنجازاته إلى درجة أن بعض السعوديين تبادلوا رسائل الهاتف الجوال تقول إن بني تميم فازوا بالحصول على شرف استضافة كأس العالم. ويمكننا تلمس العلاقة الوثيقة بين الأمير والقبيلة في اختياره لأسم ابنه ولي العهد. الإستقرار الاقتصادي في نبرة غيرة، وصف مصرفي فرنسي الاستثمارات القطرية بإنها انتهازية ما أن تجد كيانا ماليا جريحا إلا وتنهال عليه حتى تتملكه وتضمه إلى ترسانتها المالية الإستثمارية. المؤسسة التي تقف وراء حسد وغيرة الكثير من المصرفيين في أنحاء العالم هي مؤسسة الاستثمار القطرية التي تأسست في عام 2005. باكرة العود هذه المؤسسة لكنها تنمو إلى درجة أنها أصبحت أكثر صلابة من غيرها ممن يفوقونها عمراً. هذه الذراع الاستثمارية هي أكبر علامة واضحة على حجم الاستقرار وقوة أقتصاد قطر. ما يلفت النظر في هذه المؤسسة أن من يرأسها هو ورئيس وزرائه ووزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم بن جبر (ولد عام 1959) وهذا ما يجعل الكثيرين يهمهمون حيرة في أن يمسك شخص واحد حتى قبل أن يصبح رئيسا للوزراء بملفين مهمين هما الاستثمار والدبلوماسية القطرية. ولعل الإجابة المنطقية هي أن هذا الرجل هو المهندس والمنفذ للتغير الكبير في قطر بعد أن فارق العمل في وزارة الزراعة وبدأ يحشد ويعد العدة لإقناع ولي العهد آنذاك والأمير الحالي بأهمية التغيير وخلع الأمير الوالد الذي يقف حجر عثرة في وجه انطلاقة تستحقها قطر التي لم يحسن الأمير الوالد استثمار ثرواتها وكان متمهلاً في عصر السرعة. وقد ثبت قوة حجة ومنطق الأمير والمهندس ففي وقت قصير أصبح القطري أثرى شخص في العالم بعد أن كان الثري مع وقف التنفيذ خليجيا. يقول الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أن على قطر أن تتوسع في استثماراتها مستغلة ثرواتها الطبيعية، ويتوقع المهندس الذي اعتاد زائرو فندق حياة ريجنسي في ساحة بورتمان اللندنية على رؤيته في بهو الفندق يفرش أوراقه على الطاولة ويقرأها بعناية ثم يوقعها دون أن يحيط به أحد أو حتى ينظم أوراق فيها مصائر مؤسسات تجارية يعمل فيها الآلاف. يطرح سؤال قوي نفسه أيضا حين يقرأ المحللون الماليون الغربيون خبر استثمار قطر مبلغ بليونين وثلاثمائة مليون دولار في بنك برازيلي مثل سانتندر الاسباني الأصل، ماذا يدعو قطر إلى الاتجاه بكل هذا الحجم إلى بلد نامٍ؟ الإجابة الرسمية هي أن رؤية القطريين إلى الاستثمار ليست قصيرة المدى بل لها جانب سياسي وهو دعم التطور والنمو الاقتصادي لدول واعدة. فاستثماراتهم لا تتوقف على البنك البرازيلي بل تتعداه الى منشآت تحتية في تركيا وسوريا ولبنان فيما يصفه البعض بالاستثمارات الذكية. والقطريون يذكرون الغربيين بطريقة استثمار رجل الأعمال السعودي سليمان العليان الذي لم يبحث عن استثمارات فاخرة بل استثمر مئات الملايين من الجنيهات الاسترلينية في شبكات الكهرباء والطاقة البريطانية مما عاد عليه بفوائد كبيرة. لكن هل الاستثمار في هارودز (بليون ونصف جنيه استرليني) يعد جزءاً من الإستثمارات الذكية؟ الإجابة بالطبع لا، فهو يعد استثماراً فاخراً وهدفه وجاهي (يقال أنه أحد أحلام أمير قطر التي تحققت) على الرغم من أنه ليس خاسراً بل يعود بالفائدة المالية. وهذا الاستثمار جزء من المحفظة الاستثمارية القطرية التي تبلغ 130 بليون دولار ستستثمر خلال ستة أعوام. لا تخلو الاستثمارات الذكية القطرية من متاهات ومطبات كالمراهنة على اليونان والعقبات السورية البيروقراطية (تقدر استثمارات قطر في سورية بستة مليارات دولار)، والوعود القذافية الخيالية التي تبخرت على سواحل سردينيا بعد اجتماعات متكررة هناك، والانتظار الممل لحين فتح المجال لأنبوب الغاز القطري عبر الأراضي السعودية إلى آفاق رحبة على الرغم من تحسن العلاقات بين البلدين، والأدهى من ذلك الضجة الإعلامية في لندن بعد تدخل ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز لإيقاف مشروع بناء عقارات ثكنة تشيلسي (مليار جنيه استرليني) وسط العاصمة البريطانية بسبب تصميمه الذي لم يرق للأمير المعروف عنه ولعه بالتاريخ والطبيعة ويقدر المراقبون تكلفة الإيقاف والقضايا القانونية بأكثر من 80 مليون جنيه إسترليني. لكن هذه المتاهات يتخللها شيئا من الترفيه كالاستثمار في بورش وأطول ناطحة سحاب في أوروبا \”ذي شارد\” كما تملكت مبنى السفارة الأميركية في منطقة المايفير الفخمة. تقدر استثمارات قطر في بريطانيا بـ 23 بليون دولار إلى درجة أن البعض أصبح يتحدث عن \”لندوحة\” Lon-Doha . فأين تتحرك في لندن ستجد الذراع المالية القطرية أمامك، مبنى بارك هاوس التي تطل على هايد بارك، وشركة فور سيسونز للرعاية أكبر دار رعاية صحية في بريطانيا، حصة تصل الى 26 بالمائة من مخازن سينسبري و25 بالمائة من شركة سوق الاسهم في لندن والحصة الاكبر في كاناري وورف التي كان الوليد بن طلال يفتخر بجزء من ملكيتها. وعلى الرغم من غيرة المصرفيين البريطانيين تجاه الاستثمارات القطرية إلا أنهم لا يتوانون عن العرفان للقطريين على إستثمارات في بنك باركليز بأكثر من بليون جنيه إسترليني أنقذت البنك من أن يشرف عليه بنك انجلترا المركزي. وبالطبع المشرف والمهندس على هذه الاستثمارات لم ينس أن يتمتع ببعض الرفاهية فهو يمتلك عشا فاخرا في أغلى مبنى في العالم حيث لديه شقة علوية بلغت قيمتها مائة مليون جنيه إسترليني في رقم واحد في شارع نايتسبريدج وبالطبع هناك من هو يملك عشا أخر في نفس المبنى تبلغ قيمته 140 مليون جنيه استرليني ويعرف الجميع أن المالك هو بالطبع قطري كذلك لكنه أغنى فرد في عائلة آل ثاني. الاستقرار الخارجي تلعب المملكة العربية السعودية دورا كبيرا في الساحة القطرية ليس فقط باعتبارها الجارة الكبرى بل أيضا لارتباط قطر قبليا ومذهبيا بنجد، فالشعب القطري تمتد جذور معظم أهله إلى هناك وعلى الأخص بقبيلة تميم وهم يتبعون المذهب الحنبلي وقريبون من دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب لكن يمكننا رؤية نفوذ الشيخ يوسف القرضاوي داخل قطر على الرغم من أن المواطن القطري العادي يحترم القرضاوي لكنه يفهم البعد السياسي لوجود القرضاوي. لذا تجد أن القطريين لا يزالون يتبعون في تفاصيل عباداتهم الرؤية السلفية وكثيرا ما يحصل شيوخ سلفيون سعوديون على حصة إعلامية جيدة في التلفزيون القطري تكاد تكون أكثر من حصص الإخوان المسلمين ممثلين بالقرضاوي وإن كان القطريون يستعملون القرضاوي في خططهم السياسية الخارجية أكثر منها في شؤونهم الداخلية القطرية. أحد المخاطر التي تحيط بدولة قطر إشتعال حرب بين إيران والخليج وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة بين قطر وايران وطول الجفاء بينها وبين السعودية إلا أن العلاقات تحسنت بصورة كبيرة خاصة بعد أن تقبل الشقيق الكبير بأن يشارك شقيقه الصغير في لعب أدوار مهمة وأن يتقاسم الشقيقان الأدوار في المنطقة فقطر بعلاقاتها الوثيقة مع إيران تهدأ من إنفعال تابع ايران في لبنان حزب الله وتسهم في ملء الفجوة بين سوريا والسعودية ليصلوا إلى مصالحة بمساهمة كويتية. تغضب الجهود القطرية إيران وخاصة المواقف القطرية الإخيرة عبر محطة الجزيرة التي يدعي القطريون عدم تدخلهم في سياساتها التحريرية وكأنها محطة تلفزيون خيرية. وتشير التقارير إلى أن وزير خارجية ايران علي أكبر صالحي حمل خلال زيارته الاخيرة إلى الدوحة امتعاضا إيرانيا من الزيادة \”الخجولة\” في جرعة التثوير والتحريض ضد نظام بشار الاسد. ويشعر القطريون بالخشية من أن تؤثر مواقفهم الإعلامية على التعاون مع إيران في حقول الشمال التي تواجهها حقول فارس المليئة بالغاز ضمن الحدود البحرية الإيرانية، ولولا العلاقات الوثيقة مع إيران والسياسة القطرية المتمهلة في التشدد ضد إيران لما تمتعت قطر بإستثمار احتياطياتها بكل سهولة. ولا يغفل المراقبون كيف أن إيران ترسل بين فينة واخرى رسائل إثبات وجود فالقوارب الإيرانية العسكرية تقترب من الحقول القطرية وضمن المياة القطرية وبعد ان تعتب قطر دون ضجيج يعتذر الإيرانيون بأن المشكلة أن الحقول القطرية والإيرانية متداخلة بينما الحقيقة أن البلدين يشتركان في حقل كبير كل منهما يسميه حسب رغبته ولم يكتشفا ذلك في وقت ترسيم الحدود المائية حيث لم يعلم الشاه ولا أمير قطر آنذاك أن حقل الغاز الكبير يمتد من أمام بر عربستان إلى داخل شبه الجزيرة القطرية. القارئ للواقع القطري قد يجد العذر لحاكم قطر بأن لا يصعد موقفه ضد إيران، لكنه وخشية على نمو بلاده الإقتصادي وإزدهار بلاده لا يريد أن يدخل في معارك قد يربحها بالعون الغربي والخليجي لكنه لن يستطيع الوقوف أمام المنغصات الإيرانية المستقبلية. ولعلاج ذلك ولكي لا تصبح قطر رهينة للمزاج الإيراني المتقلب يقوم أمير قطر الان باتباع الإستراتيجية التي ذكرناها سابقا وهي جعل قطر تسير على النموذج النرويجي في أن تصبح البلاد مستغنية عن أموال النفط والغاز في تسييرها لميزانياتها وإحتياجاتها النقدية وأن تعتمد على مردود استثماراتها الخارجية في سد حاجات مواطنيها بينما تذهب أموال الغاز والنفط للإستثمارات فقط. وذلك سيجعل قطر تتحمل وقتا طويلا من الصراع العسكري الذي قد يؤثر على إنتاج حقولها الشمالية، وللوصول إلى ذلك الهدف وقد لا يبدو بعيدا يجب على الأمير الإبتعاد عن الإستثمار في المشاكل السياسية ودعم دول غير مستقرة وحركات ثورية غير مربحة ماليا إلا لو كان تفكيره بعيدا جدا في الاستثمار في دعم المجلس الإنتقالي الليبي والذي قد يحكم يوما ليبيا ويفتحها أمام الاستثمارات القطرية التي تعاني كثيرا في سوريا من ابتزاز الطبقة الحاكمة هناك. يبدو الموقف القطري الاخير في إرسال خمسمائة جندي الى البحرين لمساعدة نظامها المهدد تقدما كبيرا في العلاقات بين البلدين من جهة خاصة وأن البلدين خرجا من معركة قانونية طويلة حول جزر حوار توجت بحيازة البحرين للجزر وحصول قطر على مكاسب بسيطة لا تقارن بما حصلت عليها البحرين. لكن الموقف القطري بالوقوف الى جوار أسرة آل خليفة ليس فقط فزعة عربي لشقيقه بل ايضا اقتناع قطري بالخطر الإيراني على دول الخليج حتى ولو كانت العلاقة القطرية الإيرانية ممتازة. كان لإرسال القطريين جنودهم للبحرين أبعادا أخرى أهمها أن آل ثاني يعرفون جيدا أن سقوط البحرين ضمن المشروع الفارسي سيكون أولى حلقات هذا المشروع حيث ستتبعه قطر التي هي أقرب لإيران من البحرين. وحينما سئل أحد الدبلوماسيين القطريين في ندوة مغلقة في أحد مراكز الدراسات البريطانية حول ما هي أسباب التوتر في العلاقات المتكررة بين قطر والبحرين وأحيانا الإمارات قال أن قدر الأسرة الحاكمة في قطر هو أن يستمر آل خليفة غاضبون لفصل البريطانيون قطر عن البحرين واعتبار آل ثاني حكامها حتى لو كان هذا الأمر قديما. وحول العلاقات مع الإمارات لا يبدو أنها ستتوتر في المستقبل إلا لو تعثر أمر حل الحدود البحرية في منطقة خور العيديد مع السعودية والامارات والتي تجمد الحكومات الخليجية اثارتها في الوقت الراهن. الاستقرار الأمني هناك عوامل قد تؤثر على النفوذ والاستقرار القطري أهمها الموقف الاميركي من التواجد العسكري في قاعدة العيديد، فحين وصول اوباما إلى البيت الأبيض ومحاولته تطبيق تعهداته بالانسحاب من مناطق عديدة في العالم وتقليص الإنفاق العسكري الاميركي وضع القطريون أيديهم على قلوبهم خوفا من إغلاق قاعدة العيديد. وتشير المصادر إلى أن القطريين تعهدوا بدفع كافة تكاليف بقاء العيديد أميركية السكن والاستعمال. ويبدو أن المساعي القطرية كللت بالنجاح إلى فترة زمنية مقبلة ويمثل هذا التواجد ضمانة أمنية مهمة لقطر ضد أية اطماع من الجيران، وايضا يجعل النظام يبدي مواقف سياسية متفردة ومستقلة معتمدا على محدودية الأضرار الخارجية لوجود داعم أمني قوي يتمثل في القوات الاميركية. قد يتساءل البعض: لماذا ترسل قطر ستة طائرات قتالية لتحرر ليبيا من صديقها السابق القذافي وما الذي يدعو قطر ان تستنفر إمكانياتها ضد دولة بعيدة عنها ونظام حكم شمولي مماثل لنظامها؟ بعض المحللين الغربيين لديهم إجابة جاهزة وهي أن ذلك رسالة إلى الجيران الكبار بأن قطر شبت عن الطوق وأيديها وصلت بمباركة دولية الى بقاع أبعد من حدودها بحرية كانت أو برية، هذا التحليل الغربي غريب جداً فهل ست طائرات سيجعلن الجيران يخشون من قطر، الحقيقة هي أن الرسالة ليست عسكرية بل سياسية. الأمر الامني الأخر هو انتقام المتضررين من الجزيرة والذي يعد أحد العوامل التي تؤرق صانع القرار القطري فقد نبهت أجهزة أمنية قطرية مؤخرا أبناء الأمير إلى مؤامرة لتصفية أحدهم من قبل عصابة قتلة صربية تم استئجارها من قبل العقيد القذافي. وتشير المصادر إلى أن الإمارات العربية المتحدة ساعدت في القبض على بعض أفراد العصابة. ويبدو أن هذه المعلومات تشير إلى أن للجزيرة ثمنا غير المال والقلق السياسي وإغلاق السفارات وينتظر أن يتصاعد الأمر إلى أبعاد أخرى بسبب التدخل العسكري القطري وتضييق الخناق على العقيد الليبي الذي عرف عنه عنفه مع معارضيه خاصة وأن الأمر يتعلق بحياته. ومن العوامل التي تقلق القطريين هي التحركات داخل المؤسسة العسكرية وتغير التحالفات وارتباط ذلك بلعبة الحكم والخلافة على الرغم من أن كثير من المؤشرات ترى بارتياح سيطرة الأمير لا تزال قوية وتفاعل ولي العهد مع المستقبل تؤشر بالهدوء والإستمرارية. الخلاصة في النهاية لا نجد أمامنا سوى احتمالات مهمة تقلق مستقبل قطر وتعتمد كثيرا على وجود صراع إيراني خليجي يجعل من قطر في خضمه وضحية له، وقد يكون هذا الصراع الآن مستترا في أماكن عديدة وظاهرا للعيان في البحرين إلا أن وقوف قطر ضمن مجلس التعاون الخليجي ضد المطامع الإيرانية قد يحدد قوة علاقاتها مع إيران فقد راهنت قطر كثيرا على أنها تستطيع أن تلعب على منتصف الحبال لكن إيران هي من يحاول خض الحبال وقد يطيح ذلك بمحاولة القطريين الوقوف في المنتصف وهذا ما يبدو للعيان وخاصة في الموقف القطري الإعلامي من سورية والأحداث الأخيرة فيها. بالنسبة للخطر السعودي فيبدو الأمر بعيدا في الوقت الراهن خاصة أن العلاقة تحسنت كثيرا بل أن هناك مشاريع عمل غير معلنة بين الجانبين وينتظر أن يتوج التعاون بمشاريع إقتصادية كبيرة كمد أنبوب الغاز القطري عبر السعودية ودخول مؤسسات الاستثمار القطرية سوق ضخمة كالسوق السعودية وذوبان الثلج بين عائلتي آل ثاني وآل سعود. والسياسة السعودية في الوقت الراهن ترحب كثيرا بالعمل الخليجي المشترك ما دام أنه يصب في مصالحها. ونقاط الالتقاء القطرية السعودية تكبر يوما بعد يوم على الرغم من الحديث السعودي عن المغامرات غير المحسوبة للقطريين وخاصة في ليبيا ولبنان وغيرها. كما أن السياسي السعودي اصبح أكثر قبولا لوجود أخ شقيق قد يصغره حجما لكن قد يشاركه في القيام بأدوار مهمة في المنطقة ويتوقف الأمر على نجاح المسؤولين السعوديين والقطريين في الاقتراب من صياغة استراتيجيات بعيدة المدى ضمن مجلس التعاون لمواجهة التحديات الإستراتيجية. يبقى أمامنا من عوامل تهديد الإستقرار القطري الوضع الداخلي فشعبيا لا يمكن رؤية أي ملامح للتململ ضد حكم أمير قطر بل على العكس هناك تأييد جارف نتيجة للنجاحات الاقتصادية والسياسية ويمكننا فقط رؤية خطر واحد هو في مرحلة \”ما بعد حمد\”، حيث أن مسألة الخلافة التي يراها كثير من المراقبين ما يهدد مستقبل قطر كدولة بدأت تستمتع بثروتها وتفخر بنجاحاتها. ولإنهاء هذا الخطر فإن آل ثاني بمختلف أفرعهم وإختلافاتهم يمكنهم من وأد وإقفال باب هذا الخطر بوقوفهم وراء من يختارونه أو قد أختاره لهم الأمير. وهنا نرى أنه حتى من يسمون بالعائلات الحاكمة الديكتاتورية والتي تحكم بملك عضوض تحتاج كي تستمر في الحكم أن تؤمن بالديموقراطية ولو كانت فقط ضمن دائرتها المصغرة ولا علاقة للمواطن بها في دولة لا تختلف عن السعودية في شيء فلا يوجد فيها من العمل السياسي الديموقراطي سوى مجلس بلدي منتخب وإن زاد عن الحالة السعودية بحق المرأة في الإنتخاب. المصدر : ميدل ايست أونلاين |
>
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
دور مشروع ‘مستقبل التغيير’ القطري الأميركي في إشعال الثورات العربية
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
ما بدأ في الدوحة عام 2006 نقاشا، تحول في لندن إلى مشروع تغيير متكامل يديره الإخوان وليجد على أرض مصر تجربته وتنفيذه. الدور التالي قد يكون في الخليج.
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
من الذي أخرج القمقم من مخبأه وحول أناساً يقتاتون خوفهم ورعبهم من الأنظمة الى جماهير متراصة تتحرك في أنهر منسابة مطالبة بالتغيير وإسقاط الأنظمة؟
هل هي إرادة بريئة أثارها الفساد والاستبداد؟ أم أن اتهامات المحسوبين على الأنظمة العربية تقارب الصواب في أن ما يحدث وحدث هو ضمن مخطط غربي لاستخدام أدوات محلية توجد تغييراً كبيراً في المنطقة، يلهيها في نفسها، ويعيدها إلى نقطة الصفر، وهي العودة لبناء وتأسيس دول جديدة وأنظمة جماهيرية، تنشغل في حراكها الداخلي متيحة الفرصة لقوى خارجية لفرض إرادتها وسط إنشغال الأمة العربية بنفسها؟
هل استغلت التحركات الشبابية لمصلحة حركات سرية تدير من وراء الستار مخططاً دولياً؟ الباحث عبدالعزيز الخميس يستطلع جوانب غير معلنة قد تفيد في الوصول الى إجابة شافية.
***
في مطلع فبراير/شباط عام 2006 عقد في الدوحة “منتدى المستقبل” وسط اهتمام كبير من قبل الحكومتين القطرية والأميركية، وكان كاتب هذا الموضوع أحد المدعوين له.
في إحدى الردهات خرج الدكتور عبدالعزيز الدخيل، الاقتصادي السعودي المعروف بقوميته العربية المفرطة غاضباً. وفي توقف سريع للسلام عليه قال الدخيل أنه ذاهب ليلملم أغراضه من غرفته في الفندق وسيعود للرياض على أول طائرة.
ما هو السبب والمؤتمر في أول يوم له؟
كان رد الدخيل صارماً: هذا المنتدى ليس سوى حلقة نقاش وإعداد للمؤامرات من قبل المخابرات الأميركية.
لم يفت هذا التعليق على كاتب هذا السطور، وتم تعريضه للتمحيص في كل الحلقات النقاشية التي تم حضورها، حيث تبين أن الدخيل كانت لديه حاسة شم عالية، وأن هناك مشروعاً قطرياً أميركياً يعد على هدوء، قوامه التحفيز على الإصلاحات الديمقراطية، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني.
في غرف مغلقة كانت كلمات مثل الديمقراطية، التغيير الواجب، التحفيز، التدريب، والعمل على دعم الراغبين في تغيير الانظمة، كلمات أصبحت من كثرة تداولها في أيام انعقاد المؤتمر أمراً لا يلفت الانتباه قدر حضه على التفكير عن كيفية تطبيق كل هذه المسميات الجميلة لدى أي راغب في الإصلاح.
كان بيل كلينتون وابنته يتنقلان من غرفة إلى أخرى حاملين معهما عبارات المجاملة والحض على الخروج بأفكار جيدة ومنتجة. وفي منتديات تبعت ذلك المنتدى بدت كونداليزا رايس أكثر رشاقة وهي تضع يديها على طاولات فندق الريتز القطري متسائلة: ماذا بعد؟
تطورت الأفكار سريعاً، وبدأ العمل جدياً، وإن كانت مهمة التغيير انحصرت في طرفين هما الولايات المتحدة وقطر. وبين لقاءات مستمرة وممانعة من قبل دول متعددة ومقاومة شرسة من دول أخرى، وضح أن هناك مشروعا للتغيير تمت صياغته في لقاءات متعددة ضمن “منتدى المستقبل” أو خارجه، بحضور مسؤولين ونشطاء لدول متعددة، أو فقط بحضور مسؤولين قطريين واميركيين.
بعد جهد طويل خرج ما يطلق عليه “مشروع مستقبل التغيير في العالم العربي” وتم توزيع المهام: قطر تعمل على جانب الاسلاميين، وأميركا على جانب أخر وهو الجانب المنفتح من الشباب الليبراليين.
هذا التعاون أثمر كثيرا في تحفيز الشباب على قيادة التغيير بإستعمال ادوات الإعلام الحديث والاتصال الالكتروني من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها.
المهمة القطرية
بعد هذا النجاح الساحق لحركة 6 ابريل في التحشيد وقيادة التغيير في مصر، التفت الجميع إلى قوة الشباب الذي يبدو قريبا من الليبرالية في قيادة الثورات. لكن معظمهم لم يلتفت إلى جانب أخر، وهو أن الإخوان المسلمين الذين التحقوا جسديا بالثورة المصرية متأخرين، لم يكونوا كذلك في الواقع، بل أنهم كانوا قد بدأوا نشاطهم الشبابي للتغيير والتحشيد منذ عام 2006 وعبر مشاريع بالتضامن والتمويل القطري كما سيبدو لاحقا.
تضمنت المهمة القطرية مشروعين؛ الأول هو مشروع “النهضة” يديره القطري الدكتور جاسم سلطان، وهو رجل محنك ملتزم بتعاليم الإخوان المسلمين ومطبق لها.
لكن ما يثير الإعجاب في شخصه هو قدرته على الإستقلال وعدم التبعية في التنفيذ، وإختراعه للخط القطري الإخواني الذي قد لا يصطدم مع خط الجماعة في المقطم، لكنه يستقل بل ويبدع في التنفيذ.
المشروع الثاني الذي تولتها المهمة القطرية هو “أكاديمية التغيير” عبر زوج ابنة الشيخ يوسف القرضاوي وهو منفذ مهم لما ينظر له ويضعه جاسم سلطان من خطوط فكرية ومنهج للتغيير والنهضة.
مشروع النهضة
ليست جديدة هي مشاريع النهضة، لكن الجديد هو مشاريع التثوير.
بدأ الدكتور جاسم سلطان نشاطاته منذ وقت طويل، وهو إخواني قطري عرف عنه اهتمامه بالفكر النهضوي. لكن ما يعرف عنه سياسيا انه أصبح ضمن الالة السياسية القطرية بعد ان كان مستقلا في نشاطه الإخواني.
في عام 1999 حل الإخوان مجموعتهم ضمن اتفاق رضيت الدولة القطرية أن يكونوا ضمن نشاطاتها في مجالات متعددة. وبالطبع نشاطهم المحلي أصبح محدودا، لكن تم استعمال الحركة خارجيا كأدوات اتصال للحكومة القطرية في دول متعددة وضمن الاتفاق الذي تم في منتديات المستقبل.
لعب على رأس هذه الأدوات الدكتور جاسم سلطان دوراً مهماً دعاه لإنشاء مشروع “النهضة” والذي يهدف كما يقول إلى فك مشكلة اليأس والمساعدة على تحديد الأدوار وأولوياتها.
ويطالب سلطان الشباب بأن يكونوا مشروعاً نهضويا ًاو يصنعوا مشروعاً او يدعموا مشروعاً.
ويعتبر أن من أولويات المرحلة هي الفهم لأفكار النهضة الكبرى والتبسيط والتمرير للشباب.
ويمكننا رؤية أن مشروع النهضة يعتبر المنظر والمرجع لـ”أكاديمية التغيير” التي سنتطرق لها لاحقا، وكلاهما يكملان بعضا في مسيرة تحريك الشباب ودفعهم للتغيير والإحتجاج.
ويحاول المشروع الإخواني تفتيت ثوابت الأنظمة العربية، ولعل أهمها نقده لما يسميه سلسلة الخديعات في الاستقرار، الثقة، الرموز، الصورة التاريخية، والتضحية.
ويكيل المشروع اتهامات كثيرة وكبيرة للأنظمة دون ان يسميها، ويتمتع بحرية كبيرة في قطر حيث يعمل على التحشيد والتنفير ضد (ومن) الأنظمة.
الملاحظ أن مشروع النهضة يقبل لدولة مثل تركيا أو اليونان أو غيرها فيألا تضحي بمصالحها الخاصة من أجل مصالح الآخرين، لكنه يلوم دولاً عربية أن فعلت ما فعلته تركيا واليونان في مسائل متعلقة بالعلاقات الدولية كموضوع أساطيل الحرية أو حصار غزة.
في الموضوع المصري، يطالب المشروع عبر مشرعه جاسم سلطان المصريين التحشد لتحديد رئاسة الجمهورية ثم التحشد لنيل أكبر الحصص في البرلمان المقبل. ثم التحشد لوقف الانهيار الاقتصادي، ثم التحشد لوقف الانهيار الامني، وبعدها التحشد لوقف انهيار الوحدة الوطنية، لكنه لا يضع أولويات ونقطة بدء ثم تسلسل للحشود المقررة.
وفي سبيل خلق قادة يفهمون جيداً مشروع النهضة الممول من قطر بالتعاون من الإخوان، يتم تنظيم تدريبات وبرامج إعداد عبر الانترنت، تتضمن تعريف المتدربين بما هو المجتمع الناهض، وأطوار حركة النهضة ومسارات النهضة، ومتطلبات النهضة ومن اين تبدأ النهضة وما هي مفاتيح الأمل.
ويمكن معرفة كيف نجح مشروع النهضة في المساعدة في الثورة المصرية بمعرفة ان عبدالرحمن المنصور وهو من انشأ مجموعة “كلنا خالد سعيد” وأنه هو الذي دعا ليوم 25 يناير ليكون يوما للثورة المصرية، وأن الناشط وائل غنيم كان المسئول التقني في الصفحة وقد عارض منصور في اختيار ذلك اليوم ثم قبل به بعد ان اقنعه غنيم.
برامج متعددة يقوم بها مشروع النهضة الإخواني بالتعاون مع “أكاديمية التغيير” وتتضمن تعاون مؤسسات إخوانية مثل “تنمية للدراسات والاستشارات”.
ويستعمل الإخوان في تسهيل عملياتهم المالية بنك قطر الإسلامي حيث يتم تحويل الرسوم لحساب بنكي لـ”أكاديمية التغيير” وهي التي تتولى تنظيم التدريب إدارياً.
وينتظر ان يبدأ الإخوان النهضويون دورات مكثفة جديدة في نوفمبر المقبل، كما يملكون مشاريع مختلفة ليست فقط للكبار بل أيضا للصغار كمؤسسة تدريب المراهقين والتي تبدأ من عمر 12 الى 15 عاماً. ويساند ذلك مشروع بوابة الشباب للعمل النهضوي.
الملاحظ هو ان الإخوان في قطر كانوا يستخدمون المخيمات الدعوية في نشاطهم حيث ينصبونها في صحراء قطر ويجتذبون من أماكن عديدة أنصارهم ومريديهم لكنهم حين فهموا جيداً قوة الانترنت، قاموا بنصب مخيماتهم على شبكة الانترنت ومدوا برامجهم الدعوية والتنظيمية.
من جانب آخر، يحض القائمون على المشروع أنصارهم ومتدربيهم على استعمال أدوات إعلامية معينة مثل، شبكة الجزيرة، وموقع إسلام أون لاين، وموقع الجزيرة توك، وقناة دليل الفضائية.
أكاديمية التغيير
منذ بدء ربيع الثورات العربية وعدد من المحللين لا ينفكون عن الإشارة إلى الدور القطري في جعل جو هذا الربيع أكثر سخونة عبر قناة الجزيرة وملحقاتها. كانت الجزيرة تحرض وانقلب مذيعوها إلى مقاتلين يخوضون صراعات ويقودون الجماهير وينتابهم الرعب حينما تقل أعداد المتظاهرين ثم يكادون يرقصون فرحا وهم يرون الآلاف تزحف إلى ميدان التحرير.
كانت الجزيرة تتشدق بأنها هي من ساهمت في تنظيم الجماهير وتشجيعهم ولولا الله ثم إدارتها للأزمة لانفلت الوضع وعادت الجماهير محسورة الرؤوس إلى منازلها دون أن يحدث التغيير المطلوب.
لكن هل كانت الجزيرة فقط هي من يفعل شيئا في الساحة الثورية؟ الحقيقة هي أن هناك الكثير من التقارير والاتهامات التي تشير إلى أن للقطريين أدوات أخرى ويشيرون إلى دور منظمة مركزها في بريطانيا وإسمها “أكاديمية التغيير”.
ما هي “أكاديمية التغيير” ولماذا تتهم بأنها من أجج الوضع؟
خلال إحدى حلقات النقاش في جامعة بريطانية وكانت الحلقة مغلقة على باحثين ومتخصصين، تساءل خبير بريطاني: لماذا لم يسلط الإعلام العربي الأنظار على الجهد القطري في الثورات العربية بشكل كاف؟
طفق أحدى الاساتذة من أصل عربي في بيان مدى قوة قناة الجزيرة وسحرها الذي نجح في المساعدة على إسقاط أنظمة عديدة.
في طرف الطاولة تمتم خبير ويلزي أنه ليست فقط الجزيرة من قام بكل هذا الفعل، بل هناك قوى أخرى لعل أهمها فساد الأنظمة وثورة الجماهير واستعدادهم للتضحية، ثم أشار إلى أن القطريين لم يستعملوا فقط الجزيرة بل قاموا بإدارة المعركة عملياً.
ووسط علامات الترحيب بأن يستمر في الحديث، أشار الخبير إلى أن هناك مركزاً في بريطانيا أسمه “أكاديمية التغيير”، وأن هذا المركز محل الرقابة والعناية البحثية من قبل العديد من المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط.
بدأ سيل منهمر من الأسئلة لهذا الخبير عن هذه الأكاديمية؛ ما هي وماذا فعلت؟
إجابته كانت: هذه الأكاديمية أسست عام 2006، وهدفها تحرير الشعوب من القيود، ومساعدتها على التغيير من خلال تدريب كوادر ومؤسسات المجتمع المدني والنشطاء على استراتيجيات ووسائل وسبل التغيير وتوفير الأدوات المؤدية لهذا الغرض.
كانت أول استنتاج بدر لدى الكثير من الحاضرين هي أن هذه الأكاديمية منشأة غربية موجهة وممولة من قبل المخابرات الغربية أو ثري يهودي مهووس بالتغيير في العالم العربي، لعل وعسى ان يعود ذلك بالخير على إسرائيل ويشيع السلام في المنطقة.
لم يبطئ الخبير الويلزي في إيقاف سلسلة التخمينات وتسارع الفكر المؤامراتي، حيث بادر إلى القول بأن هذه الأكاديمية ليست سوى واحدة من أبرز أدوات المشروع القطري (دولة قطر) لإحداث الاضطرابات وإسقاط النظم العربية.
ووسط ابتسامات الخبراء البريطانيين، قال الخبير: لاحظوا أن العناصر التي قادت عمليات التجمهر والاحتجاجات في دول عديدة تستخدم نفس الأفكار والسلوكيات شكلاً ومضموناً، وكانت تحركها هذه الأكاديمية التي تلعب دوراً بارزاً ومؤثراً في هذا المجال.
واضاف الخبير: لا تنسوا هذه الأكاديمية لديها فرع في الدوحة حيث يزوره كثير من الناشطين العرب ويتدربون في صمت منذ عام 2009.
ووسط ذهول الحضور، أضاف العجوز الويلزي وهو يلمم أوراقه واقفاً: هل فاتكم المخطط القطري لصناعة الاحتجاجات والتغيير في الدول العربي؟
ذهب العجوز وترك الحضور واسئلة كثيرة ترتفع الى سقف غرفة الاجتماعات. لكن البحث عن هذه الأكاديمية يجيب على معظم الاسئلة المتبقية وخاصة عن أهداف الأكاديمية.
لتحقيق أهدافها، تقوم الأكاديمية بتوزيع نشاطها على ثلاث مجموعات. الأولى، تحمل اسم مجموعة ثورة العقول. والثانية مجموعة أدوات التغيير. والثالثة مجموعة ثورة المشاريع.
وتروج الأكاديمية بحماس لأدلة عملية على كيفية التظاهر وإدارة الاحتجاجات على شكل كتب مثل: زلزال العقول، حرب اللا عنف، حركات العصيان المدني، دروع الواقية من الخوف.
يردد كثير من المراقبين لعمل الأكاديمية، أنها لا تهدف كما تظهر إلى تشجيع الحرية والإصلاح والتغيير. بل أن هدفها الرئيس، تفكيك النظم الحالية وتغيير بنية المجتمعات وتهديد استقرارها.
ولعل المثير للجدل ليست هذه الاتهامات، بل أن كارهي الأكاديمية وبرامجها يرونها جزءاً من مشروع قطري إخواني هدفه السيطرة على أنظمة عديدة عبر تحريك شعوبه ثم تتويج إخوان محسوبين على قطر على الأنظمة الجديدة. وبالتالي وقوع دول كثيرة تحت سيطرة قطرية غير مباشرة.
بالطبع شيخنا الباحث الويلزي ، كان بعيداً عن الوصول إلى استنتاجات أخرى وخاصة دوافع الإخوانية. لكنه امتدح عمل الأكاديمية وخاصة في استعمالها للإعلام الحديث ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن الأكاديمية تقوم بتعليم الكوادر الشبابية عبر الانترنت ومواقع اليوتيوب وتحت عناوين كثيرة منها أفكار الثورة، وأفكار للثوار وكيفية التعامل مع القوى التقليدية ولماذا لا يتم مواجهة عنف بعنف مضاد وكيفية ترفع من تكلفة القمع على خصم وكيف يمكن كسب خصوم.
هذه الأفكار أثارت العديد من الباحثين فحاولوا ربطها بالواقع المعيش في الثورات العربية.
يقول أحدهم إن أفكار وتكتيكات الأكاديمية تم استعمالها مؤخراً في حركات احتجاج وتطبيق لأساليب التحرك على الأرض والشعارات المستخدمة.
وتبرز تكتيكات مهمة منها: التنقل بالاضطرابات بين المدن والمناطق، والعمل على تكرار التظاهرات والمسيرات لإنهاك قوى الأمن، والعمل على تشتيتهم. وأيضا محاولة تحييد قوت المسلحة قدر الإمكان. وتكثيف تغطية والتعبئة الإعلامية الموجهة.
وتقوم شبكات متعددة بنقل كافة المعلومات الواقعة على الأرض الى منظمات دولية كالأمنستي انترناشونال وهيومان رايتس ووتش عبر شبكات الانترنت والتفاعل الاجتماعي، والهدف من ذلك هو تقوية الضغط الدولي على النظام وتسبب في حرمانه من مشروعية دولية وإبعاد أصدقائه عنه.
كما يبرز من التكتيكات للأكاديمية خلال الثورات استغلال الإعلام الجديد في الدعاية لانتهاكات النظام أمام الرأي العام الدولي مع التأكيد على سلمية التظاهر وعدم اللجوء للعنف الظاهر.
ومن التكتيكات أيضاً التدرج السريع في رفع سقف مطالب وتنفيذ خطوات العصيان المدني وإبراز بعض المعاني الرمزية مثل حمل المصاحف وإضاءة الشموع ودق الطبول وحمل الأعلام الوطنية، وأيضاً نشر وتعلم وسائل التصدي لقوات الأمن مثل الدروع الواقية ومكافحة الغازات المسلة للدموع.
حينما تبدأ حركات احتجاج لا يتم إدخال القوى السياسية المنظمة والمعروفة في البداية، بل يعمل على ان تبدأ بشكل بريء وبعد أن تستقر وتجذب الانتباه وتزداد الأعداد تدخل القوى السياسية المنظمة كالإخوان المسلمين في مصر وحركة وفاق في البحرين وعدد من القبائل في اليمن.
ومن أهم التكتيكات هي أن العمل السلمي للاحتجاج لا يقتصر على اللاعنف فقط، بل هو أيضاً معني بالبهجة والإسعاد، فيجب ان تكون الأجواء احتفالية حتى تجذب عناصر وأعداداً كبيرة من الجماهير.
يدير هذه الأكاديمية رجل مصري يحمل الجنسية البريطانية واسمه هشام مرسي. قد يكون طبيب أطفال بسيطاً، لكن قوته تأتي من زواجه بابنة الشيخ الإخواني يوسف القرضاوي.
وكان قد أعتقل في 31 يناير الماضي داخل ميدان التحرير وتم إطلاق سراحه بضغوط بريطانية قوية.
ولا يعمل مرسي وحده بل يساعده وائل عادل بالإضافة الى شخص مصري ثالث لا يعرف عنه الا ان اسمه الاول أحمد.
هؤلاء الثلاثة بدأوا العمل والترويج لأساليب الإحتجاجات وبشعارات سلمية منذ 2005. وقد استفادوا كثيراً من التجربة الصربية التي أطاحت بسلوبودان ميلوسوفيتش وكان من تنظيم مجموعة أوتبور.
جرب الثلاثة ما تعلموه في عام 2006 وكانت البداية منطقة المحلة في مصر، حيث المجتمع عمالي وتعاني شرائح كبيرة منه من تدني الأجور وظروف عمل السيئة.
نجحت الدعوة في الحث على إضراب أكثر من عشرين الف عامل نسيج ولمدة ستة ايام بسبب عدم صرف علاوات، وكانت التجربة مثمرة حيث أربكت الاحتجاجات رغم سلميتها الشرطة المصرية التي لطالما ما تعودت على التعامل مع حشود غير منظمة.
شجع ذلك الثلاثة على تنظيم تدريبات عملية لمجموعات عديدة من الشباب المتضامن على الفيسبوك. وكان عدد كل مجموعة لا يقل عن مائة متدرب. وعمدت التدريبات على التركيز على كيفية تضخيم قوة حركة الاحتجاج إلى حد اقصى وأيضا طريقة عمل الاحتجاجات الصامتة، والسيطرة على رجال الآمن لكسب تعاطف هم بترديد عبارات مثل “سلمية سلمية”.
سرت قطر بنجاح التجارب العملية فصعدت من دعمها للأكاديمية بسرعة، ورعتها بكل ود وحب وتمويل، وزادت على ذلك بأن أفتتحت لها فرعا في الدوحة.
بالطبع لم يكن للشباب القطري نصيب في التعلم من مهارات القائمين على الأكاديمية. كان فرع الدوحة يدرب النشطاء والمعارضين الأجانب فقط. ويقدم النصح عبر دورات متخصصة، ركزت في جزئها الأكبر على الساحة المصرية.
ومن ثم يمكن التحرك على دول أخرى. كان عتاد هذا الفرع إخوانيين حركيين لديهم ارتباطات قوية بفرع الإخوان المسلمين في قطر والذي أصبح جزءا من مؤسسات النظام في عام 1999.
وتشير معلومات مهمة إلى أن جهاز الأمن الوطني في البحرين توصل الى أن مؤتمر “فور الشباب العالمي” الذي كان من المقرر إقامته في المنامة من الثاني الى السابع من يوليو 2011 هو جزء مستتر من نشاطات الأكاديمية مما أدى الى ضغوط لإلغائه وانسحب ضيوف مهمون منهم عمرو خالد وعمر عبدالكافي.
كان عنوان المؤتمر “هندسة التغيير… التكوين والأدوات” مما يدل على ارتباط قوي بمنهج الاكاديمية على الرغم من أن الأجهزة البحرينية تحدثت عن أن إلغاء المؤتمر كان سببه الرغبة في التركيز على مؤتمر الحوار الوطني ليس إلا.
المهمة الأميركية
نتيجة للإلحاح القطري والتذكير بالاتفاق الذي تم في قطر خلال منتدى المستقبل بين القطريين والاميركيين حول مشروع مستقبل التغيير في العالم العربي طلب القطريون من الاميركيين احتضان 6 ابريل ولقاء بعض نشطائها المقيمين في واشنطن وكان ان تم ذلك بسرعة.
وبسرعة تم حشد شركات كبرى كداعمة وموفرة للدعم الفني للمشروع ساهمت غوغل وفيسبوك وبيبسي وام تي في ومحطات تلفزيون اميركية في جعل التقنية خادمة للثورات.
ولا ننسىكيف ان غوغل خلال الثورة المصرية ساهمت وتويتر في تقديم خطوط هاتفية مجانية ودولية لخدمة المتظاهرين للتبليغ عن ما يحدث.
6 ابريل
احتضنت الولايات المتحدة حركة 6 ابريل بتمنع خجول في البداية فقد كانت متشككة في وجود بعد إخواني وخوفا من ان تحرج اميركا مع دول عربية عديدة إذا افتضحت العلاقة مع فئة معارضة لنظام حليف كالنظام المصري. لكنها توصلت الى اتفاق عملي مع أحمد صلاح الدين علي أحد نشطاء 6 ابريل والضابط المتقاعد عمر عفيفي المقيم على مقربة من واشنطن ويملك غرفة إرشاد ومراقبة للثورة من مقر سكنه.
في 20 نوفمبر 2008 عقدت في نيويورك قمة تحالف الحركات الشبابية وشارك فيها العديد من الشباب من أنحاء كثيرة في العالم وساهم في القمة تمويلا ومشاركة كلا من غوغل، وفيسبوك، وام تي في، ويوتيوب، ومسؤلين حكوميين من الإدارة الاميركية، وأيضاً من مدرسة القانون في جامعة كولومبيا.
وبعد نجاح القمة الاولى كان من ثمارها اجتماع أخر في الثالث من ديسمبر 2008 شارك فيه بكثافة عاملون سابقون في حملة اوباما الإنتخابية والبنك الدولي وإدارة الأمن الاميركية ووزارة الخارجية الاميركية وبيت الحرية وهو مركز مروج للحريات دولياً مقره في اميركا.
كان من الحاضرين للقمة اعضاء من حركة 6 ابريل المصرية. تبع ذلك زيارة وفد رفيع المستوى من بيت الحرية الاميركي الى القاهرة، ودراسته أرض الواقع ومعرفة الحدود، والإمكانيات للتغيير، ولقائهم العديد من الشباب المنتمين لحركة 6 ابريل.
تلا ذلك تطور كبير في اداء حركة 6 ابريل، تنوعت الادوات والشعارات وتناسقت مع التطور النوعي لدى المجموعة وإنضمام شباب جدد ومجموعات اخرى ولقاءات ضمن قمم اتحاد الحركات الشبابية في مكسيكو سيتي 2009 ولندن 2010.
كل ذلك كان يدور وسط استهانة بالغة من النظام المصري، الذي بلغت به العنجهية والغرور، في ما نقل عن أحد مسؤوليه الكبار قوله، أن ما تفعله حركة 6 ابريل، ليس سوى ألعاب اطفال مع غربيين مهووسين بالتغيير، في مجتمع لن يتغير إلا بقنبلة نووية.
وكانت قمة عدم إدراك الواقع، ضحكات جمال مبارك الساخرة في إحدى المؤتمرات الصحفية في القاهرة، حول دور الفيسبوك في التغيير شاركه بفرح في ذلك مراسل قناة الجزيرة حسين عبدالغني في نفس المؤتمر.
كان جمال مبارك يمارس سخريته بينما شركات أميركية كبرى كغوغل وفيسبوك وبيبسي وسي بي اس أخرى كثر، تراهن على التغيير في العالم، وتمول قمماً شبابية يتم فيها التدارس والتمرين على التغيير في نيويورك ومكسيكو سيتي ولندن ثم العودة إلى نيويورك.
الخلاصة
بعد كل هذا، يترامى إلينا سؤال مهم، هو كل هذا الجهد التبشيري بالثورة والتغيير يصب لمصلحة من؟
هل هو لمصلحة شعب، أم لمصلحة تيار سياسي ديني؟
هل هو وسيلة من وسائل الإخوان المسلمين للوصول إلى الحكم باستغلال توق الشباب العربي للتغيير والحصول على حقوق مشروعة، أم انه رغبة غربية في تغيير أنظمة أصبحت عبئا عليها؟
أم أن الأمر هو تحالف بين الغرب والإخوان تم بتنسيق قطري وبدأ من خلال تنظيم منتديات المستقبل القطرية في الدوحة والتي روجت للتغيير؟
مادا عن توسع الجهد القطري الإخواني حالياً وبقوة وانتشاره كالنار في الهشيم محاولاً التأثير على دول مختلفة والعديد من الفعاليات الممولة من قطر ولمصلحة الإخوان تتم حالياً في دول الخليج العربي حيث عمليات التنفير والتحشيد تتم عبر فعاليات متعددة؟
تثار في الخليج الكثير من المخاوف في أن يصبح شباب الخليج في قبضة أجندات خارجية تثير الفوضى وتوهن العقد الاجتماعي الذي يستطيع الآن الحد من تصلب الأنظمة ولو على استحياء.
قطر بوضعها يدها في يد الإخوان ودعمها لهم لا تعرف انها يوماً لن تجد لها من سيشرع وجود عائلتها الحاكمة على سدة الحكم لأن ذلك يتعارض مع النظرة الإخوانية للحكم الشرعي.
من جانب أخر وفي الوقت الذي يجد الشباب العربي في حركات التغيير ملاذه خاصة عبر وجبات ثقافية خفيفة تحمل الأمل.
وفي الوقت الذي تتضمن فيه هذه الوجبات أساليب وأنواراً في نهاية نفق اليأس، يجب على الحكومات العربية التي لا تريد للإخوان قيادة التغيير أن تقود هي هذا التغيير والتحديث عبر برامج واستراتيجيات تكون الحرية والحقوق من أولوياتها.
لا يمكن ترك الشباب لتيارات شمولية قد لا تختلف عن الأنظمة الحالية، ثم التنطع بأن لا حل سوى القمع والحصار والحديث عن أن الأنظمة الحالية هي الحل.
الشباب العربي أصبح أكثر ذكاء في استعمال أدوات حديثة للتغيير. وإذا أرادت الأنظمة البقاء على قيد الحياة وعدم ترك شعوبها تذهب تحت رحمة تيارات تماثلها في أحادية التوجه ورفض الحريات، فعليها أن تبز تلك التيارات بتقديمها للشباب حلولا ناجعة يكون أهمها الانفتاح السياسي والفكري.
أمر أخر هو أين هي التيارات الليبرالية؟ بل وأين هي اليسارية التي يصدعنا منظروها في الحديث عن حتمية التغيير وسط دخان السيجار الكوبي؟
ايضا أين هو التغيير عن مسقط رأس ممولي وأصحاب مواقع وبرامج التغيير؟
اسئلة كثيرة تحتاج الى أجوبة.
عبدالعزيز الخميس
|
>Land Destroyer: Thailand: Globalist Stooge Returns to Power: “A possible ‘Asian Summer’ depends on how the Thai establishment reacts. by Tony Cartalucci Bangkok, Thailand July 4, 2011 – At face valu…”
>